أحمد بن محمود السيواسي

173

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

فرقنا ( بَيْنَهُمْ ) أي بين المشركين وآلهتهم ، من زيلته بمعنى واحد ، يعني قطعنا ما كان بينهم من الألفة والتواصل في الدنيا ، وذلك حين تبرأ كل معبود من دون اللّه من عابده ( وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ) أي آلهتهم ( ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ) [ 28 ] بطلبتنا في الدنيا ولا نعلم عبادتكم إيانا ، فيقول الكفار بلى « 1 » كنا نعبدكم بأمركم ، فيقول الأصنام بانطاق اللّه إياهم ( فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ) أي كفى اللّه بنا عالما ( بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ) [ 29 ] وما كنا عن عبادتكم إيانا إلا غافلين لعدم عقلنا وسمعنا وبصرنا ، ف « إن » نافية ، واللام بمعنى إلا ، والفائدة في إحضار آلهتهم وإنطاقهم إظهار ضعف معبوديهم عندهم فيزيدهم حسرة على ذلك . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 30 ] هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 30 ) ( هُنالِكَ تَبْلُوا ) أي تختبر وتعلم ، بالتاء من البلوى وبتائين من التلو « 2 » ، أو « 3 » التلاوة ، أي في يوم القيامة تتبع ( كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ ) أي ما قدمت « 4 » من العمل خيرا كان أو شرا كما يختبر الرجل الشيء ويتبعه ليعرف حقيقته أو يقرأ « 5 » كل نفس صحيفتها لتعلم ما فيها ( وَرُدُّوا ) في الآخرة ( إِلَى اللَّهِ ) أي إلى حكمه ( مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ) أي الذي يتولى ويملك أمرهم حقيقة ولا يشكل بقوله « أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ » « 6 » ، لأن المعنى فيه من « المولى » الناصر وفي الأول المالك ( وَضَلَّ عَنْهُمْ ) أي غاب وزال ( ما كانُوا يَفْتَرُونَ ) [ 30 ] في الدنيا من الكذب والشفاعة لهم . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 31 ] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 31 ) ( قُلْ ) للمشركين مستفهما ( مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ ) بالمطر ( وَالْأَرْضِ ) بالنبات ( أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ) اللذين معكم ، يعني من أعطاكم إياهما وما فيهما من الحكم ( وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ) كالولد من النطفة ( وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ) كالنطفة من الحيوان ( وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) أي ومن يفعل ويسوي أمر جميع العالم أو من يرسل الملائكة بالأمر ويقضي ( فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ) أي هو يفعل هذه الأشياء كلها لا الأصنام ، لأنه لا عقل ولا فائدة لهم ( فَقُلْ ) لهم ( أَ فَلا تَتَّقُونَ ) [ 31 ] عقاب اللّه فتتركون « 7 » الشرك وتؤمنون به « 8 » . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 32 ] فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 32 ) ( فَذلِكُمُ ) أي فعال « 9 » هذه الأشياء ( اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ) الذي لا شك لمن حقق « 10 » النظر فيه ، إنه رب كل شيء ( فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ ) أي فليس هذا « 11 » العمل الذي هو الشرك وعبادة غيره بعد ظهور الحق الذي هو الإيمان باللّه وطاعته ( إِلَّا الضَّلالُ ) عن الحق ( فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) [ 32 ] أي فمن أين تعدلون عن عبادته وأنتم مقرون بالحق . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 33 ] كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 ) ( كَذلِكَ ) أي هكذا ( حَقَّتْ ) أي وجبت ( كَلِمَةُ رَبِّكَ ) مفردا وجمعا « 12 » هنا وفي آخر السورة « 13 » وفي الزمر « 14 » ، أي حكم ربك الذي سبق في علمه يا محمد ( عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا ) أي ضلوا كفرا ( أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) [ 33 ] بفتح « أن » بدل من « كَلِمَةُ رَبِّكَ » ، أي حق عليهم انتفاء الإيمان في علمه تعالى ، ويجوز أن يكون المراد من

--> ( 1 ) بلى ، ب س : بل ، م ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 153 . ( 2 ) « تبلوا » : قرأ الأخوان وخلف بتاءين من التلاوة ، والباقون بالتاء المثناة والباء الموحدة . البدور الزاهرة ، 144 . ( 3 ) التلو أو ، ب س : - م . ( 4 ) أي ما قدمت ، س : أي قدمت ، ب م . ( 5 ) يقرأ ، ب م : تقرأ ، س . ( 6 ) محمد ( 47 ) ، 11 . ( 7 ) فتتركون ، س م : فيتركون ، ب . ( 8 ) وتؤمنون به ، س : ويؤمنون به ، ب م . ( 9 ) أي فعال ، ب س : في فقال يفعل ، م . ( 10 ) حقق ، س م : حق ، ب . ( 11 ) هذا ، س م : هذه ، ب . ( 12 ) « كلمت » : قرأ المدنيان وابن عامر بألف بعد الميم على الجمع والباقون بحذفها على الإفراد . البدور الزاهرة ، 144 . ( 13 ) انظر يونس ( 10 ) ، 96 . ( 14 ) انظر الزمر ( 39 ) ، 71 .